الشيخ حسن أيوب

30

الحديث في علوم القرآن والحديث

وثمة قول ثالث : أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأزمان على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وكأن صاحب هذا القول ينفي النزول جملة إلى بيت العزة في ليلة القدر . وذكروا قولا رابعا أيضا هو أنه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة ، وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة ، وأن جبريل نجمه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم في عشرين سنة . ولكن هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة بمعزل عن التحقيق ، وهي محجوجة بالأدلة التي سقناها بين يديك تأييدا للقول الأول . والحكمة في النزول ، على ما ذكره السيوطي نقلا عن أبي شامة هي تفخيم أمره ( أي القرآن ) وأمر من نزل عليه بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ، وبإنزاله مرتين ، مرة جملة ، ومرة مفرقا . بخلاف الكتب السابقة ، فقد كانت تنزل جملة مرة واحدة . الإنزال الثالث : [ كان على قلب النبي ص بواسطة جبرئيل ع ] هذا هو واسطة عقد الإنزالات ؛ لأنه المرحلة الأخيرة التي منها شع النور على العالم ، ووصلت هداية اللّه إلى الخلق ، وكان هذا النزول بوساطة أمين الوحي جبريل يهبط به على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ودليله قول اللّه تعالى مخاطبا رسوله صلّى اللّه عليه وسلم : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ سورة الشعراء آية : 193 - 195 ] . كيفية أخذ جبريل للقرآن ؟ وعمن أخذ ؟ هذا من أنباء الغيب ، فلا يطمئن الإنسان إلى رأي فيه إلا إن ورد بدليل صحيح عن المعصوم صلّى اللّه عليه وسلم ، وكل ما عثرنا عليه أقوال منثورة هنا وهناك . وأيّا ما تكن هذه الأقوال ، فإن هذا الموضوع لا يتعلق به كبير غرض ، ما دمنا نقطع بأن مرجع الإنزال هو اللّه تعالى وحده . ما الذي نزل به جبريل ؟ ولتعلم في هذا المقام أن الذي نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم هو القرآن باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس . وتلك الألفاظ هي كلام اللّه وحده ، لا دخل لجبريل ولا لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في إنشائها وترتيبها . بل الذي رتبها أولا هو اللّه سبحانه تعالى ، ولذلك تنسب له دون سواه ، وإن نطق بها جبريل ومحمد ، وملايين الخلق